السبت، 5 يناير، 2013

أبو العنين شعيشع نقيب قراء أرض الكنانة
بقلم/ مصطفى محمود علي
باحث في التاريخ الحديث و المعاصرجامعة القاهرة كلية الآداب
جمهورية مصر العربية (الجيزة)
MOSTAFA_435@YAHOO.COM

لماذا يعشق الشيخ أبو العنين بلاد الحرمين
صاحب الحنجرة الذهبية- قرء في غالبية مساجد العالم الإسلامي
كرمة الملك فيصل وقال له: "أنت تقرأ القرآن من قلبك"
أبو العنين أفضل من تولي نقابة القراء في مصر
بقلم / مصطفي محمود علي
   هو الابن الثاني عشر لأسرة بسيطة كغالبية المصريين, وحاولت والدته جاهدة لكي تجهضه , ليس ضيقاً به لكن لضيق ذات اليد, والمعاناة مع 11 من الأبناء قبله كانت السبب في عدم رغبة والديه في وافد جديد ... إلا أنه وكما يقول الشيخ عن نفسه: "تشبثت بها حتى وضعتني.. وذلك لحكمه يعلمها الله, حيث كنت السبب فيما بعد مسؤولاً وسبباً في إطعام كل هذه الأفواه في ذلك الحين".. هذا هو الشيخ أبو العنين شعيشع  نقيب مقرئي مصر المحروسة .. ووريث نقيبها الشيخ عبد الباسط عبد الصمد..رحمه الله.
   في مدينة "بيلا" التابعة لمحافظة كفر الشيخ أقصي شمال دلتا مصر, ولد مقرئنا في الثاني عشر من أغسطس سنة 1922م.. وعرف طريقة منذ نعومة أظفاره إلي كتّاب القرية, فما بلغ العاشرة من عمره إلا وقد حفظ التنزيل الحكيم, ولاحظ عليه شيوخه حسن الصوت, فلازم العديد من شيوخ عصره أمثال الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي والشيخ محمد الصيفي والشيخ محمد رفعت وتتلمذ علي أيديهم, وكان منذ صغره حريصاً علي ملازمة القراء البارزين لتعلم أصول تلاوة القرآن الكريم ...وبدأ يقرأ القرآن في مدرسته أمام المدرسين والتلاميذ كل صباح, كما شارك في العديد من المناسبات الدينية والرسمية, فحاز إعجاب واحترام الجميع, فأشار ناظر المدرسة علي والدته أن تذهب به إلي أحد علماء القراءات والتجويد.
   وحينما كان الشيخ طالباً بمدرسة المنصورة الثانوية حكم عليه جميع الأساتذة بأنه لا يصلح لشئ, وذلك بسبب عدم التزامه بالدراسة وانصرافه إلي ملازمة كبار القراء للتزود مما أفاء عليهم من علوم القرآن.
عاصفة حب
    في عام 1936 ذهب الشيخ إلي المنصورة, وكانت المفاجأة التي لم يتوقعها في حياته؛ فقد وجد أكثر من 4 آلاف شخص في مكان الاحتفال, فقال في نفسه: كيف أقراء أمام هذا الجمع؟ فقد كان سنه وقتها 14عاماً, وزادت رهبته من الموقف خاصة عندما رأي التلاميذ في مثل سنه يتغامزون ويتلامزون لأنه في نظرهم ما زال طفلاً, لكن بعد أن قرأ مما أفاء الله عليه فوجئ بالطلبة يلتفون حوله, ويحملونه علي أعناقهم؛ فلم يستطع السيطرة علي دموعه..
   وعندما توفي الشيخ "الخضري" شيخ الجامع الأزهر آنذاك, أشار أحد علماء "بيلا" عليه أن يذهب معه إلي القاهرة ليقرأ في هذه المناسبة, وجاء دوره وقرأ وكان موفقا فازدحم السرادق بالمارة في الشوارع المؤدية  إلي الميدان, وتساءل الجميع عن صاحب هذا الصوت الجميل؟ وبعد أكثر من ساعة صدّق الشيخ أبو العنين ليجد نفسه وسط جبل بشرى تجمع حوله لرؤيته ومصافحته إعجاباً بتلاوته, وبعد هدوء عاصفة الحب جاء الشيخ عبد الله عفيفي – إمام القصر الملكي – وقبله وقال له: لابد أن تتقدم للإذاعة, لأنك لا تقل عن قرائها, وسيكون لك مستقبل عظيم بإذن الله.. وهكذا التحق الشيخ بالإذاعة عام 1939م وهو في عمر السابعة عشر من عمره, ومنها انطلق صوته إلي آفاق لا حدود لها, منطلقاً بآيات الذكر الحكيم إلي ملايين الأرواح الظمأى التي تطلب رضا غفّار الذنوب.
    وكان الشيخ وقتئذ متأثراً بالشيخ محمد رفعت وكان علي علاقة وطيدة به, وقد استعانت به الإذاعة لإصلاح الأجزاء التالفة من تسجيلات الشيخ رفعت.
في المسجد الأقصى
   تدفقت الدعوات علي الشيخ من الدول العربية والإسلامية لإحياء ليالي شهر رمضان بها, كما وجهت له دعوة من فلسطين ليكون قارئاً بإذاعة الشرق الأدنى, وكان مقرها "يافا" وذلك لمدة 6 أشهر, وعن ذلك يقول الشيخ: "كان الاتفاق عن طريق مدير الإذاعة المصرية, وسافرت عام 1940م, وبدأت القراءة كل يوم افتتح إذاعة الشرق الأدنى واختتم إرسالها بتلاوة القرآن, وانتقل كل يوم جمعة من يافا إلي القدس لأتلو القران يوم الجمعة بالمسجد الأقصى؛ ولأنني كنت وقتها صغيراً (19 عاماً) فكنت مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بأسرتي, ولذلك لم أحتمل الغربة أكثر من شهر, ولكن وثيقة السفر كانت مع المسئولين عن الإذاعة بفلسطين, فاستأذنت في رئيسها أن أسافر إلي مصر لأري أهلي, فوعدني أكثر من مرة ولم يف بوعده, وتدخل صديق لي وأحضر لي الوثيقة ومعها تذكرة قطار من محطة اللد إلي القاهرة ولم يشعر أحد بهذا, ووصلت إلي القاهرة وفتحت الراديو علي إذاعة الشرق الأدنى فسمعت المذيع يقول: "سوف نستمع بعد قليل إلي الشيخ أبو العنين شعيشع ", قالها أكثر من مرة ومن ثم إعتذر لغيابي, وبعد أسبوع فوجئت بمدير إذاعة الشرق الأدنى يطرق باب بيتي, وعاتبني كثيراً, ثم قال: "لن نحرم رجلاً مثلك من الاطمئنان علي إخوته ووالدته", وهكذا رجعت إلي فلسطين بصحبة المدير وأكملت مدة العقد هناك, وكنت محظوظاً بتلاوة القرآن الكريم في صحن المسجد الأقصى الشريف.
مع الملك فيصل
    اتخذ الشيخ أبو العنين لنفسه أسلوباً خاصاً في التلاوة بدءاً من منتصف الأربعينيات, وسافر إلي معظم دول العالم, وقرأ بأكبر وأشهر المساجد في العالم, وعلي رأسها الحرمين الشريفين, والمسجد الأموي بسوريا ومسجد المركز الإسلامي بلندن, وأسلم عدد غير قليل تأثراً بتلاوته, ولم يترك دولة عربية ولا إسلامية إلا قرأ بها عشرات المرات علي مدي مشوار يزيد علي السبعين عاماً قارئاً بالإذاعة ..
الشعيشع يعشق بلاد الحرمين
   وعن تجربته مع المملكة العربية السعودية يقول: "من أحب بلاد الله إلي قلبي, كيف لا وهي مهد الدعوة ومقر الحرمين الشريفين, وعلي مدي أكثر من سبعين عاما قمت بزيارة هذا البلد المبارك عشرات المرات, وأديت فريضتي الحج والعمرة لسنوات طوال, وتشرفت بتسجيل القرآن الكريم كاملاً هناك, كما قرأته في الحرمين الشريفين لساعات طوال, غير أن الذكري التي لا تفارق مخيلتي جرت أحداثها في أوائل السبعينيات من القرن الماضي (القرن العشرين) حينما كنت أسجل القرآن في جدة, وسمعت خبراً في الإذاعة السعودية عن قيام العاهل السعودي الملك فيصل رحمة الله بغسيل الكعبة, وهنا انتابتني رغبة عارمة في المشاركة في هذه المناسبة العظيمة.. لكن لم يكن معي دعوة رسمية للدخول مع العاهل السعودي وضيوفه,  وحينما عزمت علي المشاركة في غسيل الكعبة, وما أن اقتربت من الحرم حتى فوجئت بزحام شديد وإجراءات أمنية مشددة, فتملكني اليأس, تنحيت جانبا مناجياً ربي أن يمكنني من المشاركة في غسل الكعبة, وهنا حدث ما لم أكن أتوقعه, فوسط بكائي الشديد علي ضياع الفرصة, فوجئت بشخص لا أعرفه يربت علي كتفي ويخاطبني قائلاً : أنت الشيخ أبو العنين شعيشع وتريد المشاركة في هذه المناسبة؟ فأجبته بالتأكيد ... فما كان منه إلا أن سلمني دعوة تسمح لي بدخول هذه البقعة العظيمة, وعلي الفور سارعت إلي رحاب الكعبة".
    يضيف الشيخ: "لا يمكن أن أنسي حواراً دار بيني وبين الملك فيصل رحمة الله خاطبني قائلاً: " أنت الشيخ أبو العنين شعيشع ", وحينما أجبته نعم أسمعني إطراء لم أسمعه في حياتي عن إعجابه بتلاوتي للقران الكريم, وكان مما قاله لي: "أنت تقرأ القرآن من قلبك"..ثم أصدر قراراً عاجلاً بتكريمي تقديرا منه لخدمتي لكتاب الله.
نقيب القراء
   في مطلع الستينيات أصيب الشيخ في صوته حال بينه وبين القراءة لفترة, إلا أنه تغلب عليها وعاد للتلاوة بأفضل مما كان, ثم عين قارئاً لمسجد عمر مكرم سنة 1969 (مكانه الآن بميدان التحرير) ثم مسجد السيدة زينب منذ العام 1992م.
   وناضل الشيخ في السبعينيات لإنشاء نقابة القراء مع كبار القراء وقتئذ مثل الشيخ محمود علي البنا والشيخ عبد الباسط عبد الصمد..كما عين عضواً بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية, وعميداً للمعهد الدولي لتحفيظ القران الكريم, وعضوا للجنة اختيار القراء بالإذاعة والتلفزيون, وعضواً باللجنة العليا للقرآن الكريم بوزارة الأوقاف, وعضواً بلجنة عمارة المساجد بالقاهرة.
    وحصل الشيخ علي العديد من الأوسمة والتكريمات من غالبية البلدان الإسلامية التي زارها, منها وسام الرافدين من العراق, ووسام الأرز من لبنان, ووسام الاستحقاق من سوريا وفلسطين, وأوسمة من تركيا والصومال وباكستان والإمارات, والعديد من الدول الإسلامية.

هناك تعليقان (2):