السبت، 12 يناير، 2013

عودة العلاقات المصرية السوفيتية بين إرث الماضي وإستشراف المستقبل

عودة العلاقات المصرية السوفيتية

   لقد وجدتني مضطراً هنا لأن أذكر طبيعة العلاقات المصرية السوفيتية في فترة هامة من فترات تاريخنا السياسي، ولذلك صصمت علي طرح الفكرة لجمهور  القرأ للإطلاع وكان مصدري جريدة السياسة الدولية فالمعول عليها إذا كان هناك أي شئ، وهذا ما لانتوقعه.
 بعد تجمد دام ما يقرب من ثلاث سنوات، استؤنفت العلاقات المصرية السوفيتية مرة أخرى بالإعلان رسميا فى كل من مصر والاتحاد السوفيتى عن تطبيع العلاقات الدبلوماسية واستئناف تبادل السفراء بين البلدين وقد أعلنت وزارة الخارجى المصرية فى بيان رسمى لها  عودة السفيرين لمباشرة عملهما فى عاصمتى الدولتين ويمكن القول بصورة عامة أن المراحل التاريخية التى مرت بها العلاقات المصرية السوفيتية تنقسم إلى مرحلتين كبيرتين تشمل: الأولى: الفترة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى وفاة الرئيس عبد الناصر الثانية: فترة حكم الرئيس السادات ألا أن هاتين الرحلتين تنقسم كل منهما إلى مراحل فرعية أولا: العلاقات المصرية السوفيتية منذ الحرب العالمية حتى وفاة عبد الناصر: عهد ستالين (45-1953م): تم تبادل التمثيل الدبلوماسى بين البلدين لأول مرة عام 1943م ولم تكن العلاقات المصرية السوفيتية قوية فى قترة ما قبل الثورة نظرا للظروف السياسية التى سادت مصر فى ذلك الوقت وإن قامت بعض العلاقات التجارية بين مصر والاتحاد السوفيتى وكانت الاستراتيجية السوفيتية فى ذلك الوقت تقوم على تقسيم العالم معسكرين: معسكر شيوعى ومعسكر معاد للشيوعية ولذلك فقد ساء السوفييت رغبة زعماء العالم الثالث فى عدم الانتماء إلى أى من المعسكرين حتى أنهم وصفوا الجامعة العربية بأنها أداة للاستعمار البريطانى، واعترفوا بدولة إسرائيل عام 1948 بهدف إضعاف مركز بريطانيا فى الشرق الأوسط وحرمانها من القواعد العسكرية الرئيسية ولكن ذلك عموما لم يحسن مركز روسيا بين الدول العربية ومن بينها مصر عهد خروتشوف (53 1964م): تغيرت الاستراتيجية السوفيتية فى عهد خروتشوف، حيث أصبحت القيادة السوفيتية تنظر إلى العالم على أنه ثلاث كتل: كتلة شيوعية، وكتلة رأسمالية، وكتلة ثالثة هى دول العالم الثالث وحاولت القيادة السوفيتية استمالة دول العالم الثالث عن طريق التأييد السياسى والمعونة الاقتصادية والعسكرية حدث هذا فى الوقت الذى نظر جون فوستر دالاس وزير خارجية الولايات المتحدة إلى العالم شأنه فى ذلك شأن ستالين على أنه معسكرين فقط، ولذلك حاول تكوين حلف بغداد ليكون موجها ضد الاتحاد السوفيتى واحتضن نورى السعيد هذا الحلف أما الرئيس عبد الناصر الذى كان يرفض سياسة الأحلاف، فقد بادر بإبرام صفقة الأسلحة التشيكية الشهيرة عام 1955 وعندما رفضت الدول الغربية بزعامة الولايات المتحدة تمويل مشروع السد العالى عن طريق البنك الدولى للإنشاء والتعمير انتقاما لصفقة الأسلحة التشيكية واعتراف مصر بالصين، بادر الاتحاد السوفيتى الذى كان اهتمامه يزداد بالمنطقة إلى المساعدة لإقامة هذا العمل الهندسى الجبار بالقروض والخبراء الفنيين وبعد العدوان الثلاثى على مصر عام 1956م خطا الاتحاد السوفيتى خطوة أخرى فأظهر اهتماما بالغا بتعويض مصر عما فقدته فى حرب السويس، وبإعطائها عددا من القروض لإعادة تجهيز جيشها ومواصلة بناء السد العالى، ودفع حركة التصنيع، فاشترك السوفييت فى بناء مصنع الحديد والصلب، ومصنع الأدوية ومصنع الألمونيوم حتى بلغ مجموع المصانع بين عامى 58 1974م حوالى (173) مصنعا، وعقدوا مع مصر اتفاقية ثنائية للمعونة الفنية وفى عام 1959 عندما نشبت ثورة الموصل فى العراق اتهم عبد الكريم قاسم الرئيس عبد الناصر بتدبير حركة الموصل فما كان من عبد الناصر إلا أن شن حملة على ما أسماه بالشيوعية العملية وعلى شيوعى العراق وسوريا وفى الحقيقة أنه حتى نهاية عهد خروشوف فى أكتوبر 1964، كان مركز السوفييت فى مصر أبعد من أن يكون الدولة المسيطرة حيث احتفظت مصر بسيطرتها وحريتها فى التصرف فى سياستها الداخلية والخارجية عهد بريجنيف وكوسيجين (64-1970م): ازداد الاهتمام فى عهد بريجنيف وكوسيجين بمنطقة الشرق الأوسط إذ أن القيادة الجديدة قد أولت اهتماما كبيرا لمسألة الوحدة القومية رغبة منها فى إيجاد تحالف بين القوى المناهضة للاستعمار فى الشرق الأوسط تحت قيادة السوفييت ولما كانت معارضة إسرائيل من المسائل التى اتحد بشأنها العرب، فقد حدا ذلك بالسوفييت أن يربطوا ربطا وثيقا بين النضال العربى ضد إسرائيل وبين النضال ضد الاستعمار وبعد هزيمة مصر فى عام 1967م بدأ الروس فى إرسال شحنات الأسلحة لمصر لتعويض خسائرها، وزاد عدد الخبراء السوفييت فى الجيش المصرى لتدريبهم على الأسلحة الجديدة، وفى أثناء حرب الاستنزاف (أواخر عام 1968، عام 1969م) انتقمت إسرائيل بضرب العمق المصرى فلجأ عبد الناصر إلى السوفييت لإقامة شبكة صواريخ من طراز سام1، وسام2 على امتداد الضفة الغربية للقناة وفى عام 1970 قام الرئيس عبد الناصر بزيارتين للاتحاد السوفيتى إحداهما فى شهر يناير والأخرى فى شهر يونيو طلبا للأسلحة ولكن الاتحاد السوفيتى كان قد بدأ يماطل فى إرسال الأسلحة لمصر خوفا من زيادة التورط مع إسرائيل، وبالتالى مع الولايات المتحدة وربما يرجع هذا الموقف السوفيتى إلى ظهور سياسة الوفاق بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى التى كانت قد بدأت فى عهد الرئيس الأمريكى نيسكون وبوفاة عبد الناصر فى سبتمبر 1970 تكون المرحلة الأولى من العلاقات المصرية السوفيتية قد انتهت ويلاحظ على تطور هذه العلاقات إنها كانت مرحلة ازدهار خاصة المرة من عام 1955 وحتى عام 1970 وأولتها بعض الأزمات الطفيفة التى لم تكن لتؤثر على سير هذه العلاقات ثانيا: العلاقات المصرية السوفيتية أثناء حكم السادات: عند وفاة عبد الناصر، اتسم موقف السوفييت بالحرص على الحفاظ علاقاتهم بالقيادة الجديدة ولهذا جاء كوسيجين رئيس الوزراء لتشييع جنازة عبد الناصر مع وفد سوفيتى كبير، وبقى عدة أيام أمضاها فى اجتماعات مع القيادة الجديدة فى مصر برئاسة أنور السادات الذى كان قائما بأعمال رئيس الجمهورية وجاء فى البيان الذى صدر عقب هذه الزيارة التعهد باستمرار التعاون المصرى السوفيتى وفى مايو 1971 عندما أطاح الرئيس السادات بما سمى بمراكز القوى، وكان معروفا عنهم ميلهم تجاه الاتحاد السوفيتى، قام بودجورنى بزيارة لمصر للوقوف على حقيقة الأحداث ولكن السادات أكد له أنها مسالة داخلية بحتة ولا شأن لها بالعلاقات المصرية السوفيتية وأثناء الزيارة وقع بودجورنى معاهدة للصداقة والتعاون مدتها خمسة أعوام وحتى هذا الوقت كان الرئيس السادات بالاتحاد السوفيتى وبمساعدته لمصر والقضية العربية فى الصراع العربى الإسرائيلى ولكن حدثت عدة أحداث، بعدها أخذ منحنى العلاقات فى الهبوط وصل إلى قرار طرد الخبراء الروس فى يوليو 1972م ذلك أن السادات قد أعلن أن عام 1971 هو عام الحسم اعتمادا منه على السلاح الذى كان ينتظره حسب وعود السوفييت له أثناء زيارته لموسكو فى مارس 1971 ولكن عام 1971 انقضى تماما دون وصول الأسلحة إلى مصر بالرغم من سفرة مرة أخرى إلى موسكو فى شهر أكتوبر لطلب الأسلحة وإنقاذ موقفه وجاء قرار طرد الخبراء السوفييت ليمثل نقطة حاسمة فى تدهور العلاقات المصرية السوفيتية ولكن الرئيس السادات وصف قرار الطرد بأنه وقفه موضوعية مع الصديق حفاظا على العلاقة مع الاتحاد السوفيتى وبعد قرار الطرد بعدة شهور أمكن عقد صفقة أسلحة ضرورية مع الاتحاد السوفيتى عندما سافر الفريق أحمد إسماعيل وزير الحربية إلى موسكو فى فبراير 1973 ووردت بالفعل شحنات من هذه الأسلحة ثم تراخى الإرسال انتظارا للقاء بريجنيف ونيكسون فى واشنطن فى مايو 1973م تنفيذا لسياسة الوفاق مما كان سببا لاعتذار السادات عن الموافقة على الزيارة التى كان الرئيس السوفييتى بودجورنى يعتزم بها للقاهرة فى نفس الشهر أثناء حرب أكتوبر عام 1976م: عندما بدأت حرب أكتوبر 1973م كان السادات والأسد قد اعلما الاتحاد السوفيتى بهذا الموقف مسبقا فى 3، 4 أكتوبر فلم تكن الحرب مفاجأة له وقد كانت الأسلحة التى حاربت بها مصر وسوريا من الاتحاد السوفيتى ولكن مع بداية عام 1974 بدأ التقارب المصرى الأمريكى ففى يناير تم التوقيع على الاتفاقية الأولى لفك الاشتباك بين القوات المصرية والإسرائيلية فى سيناء تحت إشراف الأمم المتحدة، وكان ذلك بفضل جهود هنرى كيسنجر وزير خارجية الولايات المتحدة وفى فبراير 1974 أعيدت العلاقات الدبلوماسية بين واشنطن والقاهرة بعد أن ظلت مقطوعة منذ عام 1967 وفى يونيو قرر نيكسون زيارة القاهرة والإسكندرية وكان التقارب المصرى الأمريكى سببا فى توتر العلاقات المصرية السوفيتية وقد رأى السادات أن الاتحاد السوفيتى يفضل دمشق عليه وأنها تتبع حياله سياسة الشح والتقتير فى إرسال الأسلحة حيث أن الأسلحة التى وردت له كانت هى الأسلحة المتفق عليها عام 1969 أبان حكم عبد الناصر وقد ازداد التوتر فى العلاقات المصرية السوفيتية بعد زيارة كيسنجر للمنطقة فى فبراير ومارس 1975م للتمهيد لفك الاشتباك الثانى وبعد زيارة كيسنجر أيضا للمنطقة بعد التوقيع على اتفاقية فك الاشتباك الثانى سبتمبر 1975 أعلن الاتحاد السوفيتى عدم موافقته على الاتفاقية، وأنه لن يحضر التوقيع فى جنيف على البروتوكولات التفصيلية لهذه الاتفاقية كما أعلن حزب البعث الحاكم فى العراق وسوريا وكذلك منظمات المقاومة الفلسطينية معارضتهم الشديدة للاتفاقية واتهم السادات السوفييت بأنهم وراء تلك الحركات العدائية ضد مصر وأن عداءه الساخر لمصر الذى بدأ نهاية حكم عبد الناصر سببه رفض مصر للتبعية السوفيتية وتمسكها باستقلالها فى اتخاذ القرارات من واقع إرادتها الحرة وصالح الأمة العربية (خطاب الرئيس فى 5 سبتمبر 1975م) نتيجة لهذه الأزمات المتتالية رفض السوفييت تعويض مصر عن خسائرها من الطائرات والدبابات وغيرها فى حرب أكتوبر كما رفضوا أيضا طلب مصر المتكرر بشأن إعادة جدولة الديون السوفيتية ولاسيما العسكرية التى أصبحت تنقل كاهل الخزانة المصرية بدعوى أن طلب مصر بتأجيل سداد فوائد الديون يعتبر نوعا من التحكم وفرض الشروط عليهم وفى 14 مارس 1976م كتبت صحيفة الجمهورية أن الاتحاد السوفيتى قد اجل توقيع بروتوكول التجارة لعام 1976 بالرغم من أن مصر قد جهزت للتوقيع تأزم العلاقات السوفيتية المصرية: سارت العلاقات المصرية من سيئ إلى أسوأ عندما أعلن الرئيس السادات فى خطاب أمام مجلس الشعب المصرى فى 14 مارس 1976 إلغاء معاهدة الصداقة المصرية السوفيتية الموقعة فى 1971/5/27 من جانب واحد وفى شرح قراره قال أن معاهدة وصلت إلى حالة تأزم منذ أن رفض الاتحاد السوفيتى إمداد مصر بالسلاح وعدم قبول تأجيل الديون ومن ناحية أخرى وطد السوفييت علاقتهم مع الدول الأخرى فى الشرق الأوسط خاصة سوريا والعراق وليبيا والجزائر واليمن الجنوبية، وحاول كوسيجن تشكيل جبهة متحدة من هذه الدول وبالرغم من تعطل هذه الجهود بسبب تدخل سوريا فى لبنان استمر السوفييت فى محاولاتهم ونظرا لإدراك أهمية دور مصر فى المنطقة أرسلوا رسالتين إلى وزير الخارجية المصرى إسماعيل فهمى للبحث عن تدخل مصرى لحل مشكلة لبنان إذ أن السوفييت كانوا مازالوا يحاولون إيجاد حل لانسحاب السوريين من لبنان، ولكن هذه الاتصالات قد توقفت نتيجة وقوف السوفييت بجانب ليبيا فى نزاعها ضد مصر فى أغسطس 1976م وفى 15 أكتوبر تم الاتفاق فى الرياض على وقف إطلاق النار فى لبنان وصالح المؤتمر ما بين مصر وسوريا، وطالب بعقد مؤتمر بين أعضاء الجامعة العربية فى القاهرى لتمويل ومساعدة قوات حفظ السلام وقد رحب بريجنيف باتفاق الرياض فى خطاب له أمام جلسة اللجنة المركزية فى أكتوبر ومن ناحية أخرى دعا السوفييت إسماعيل فهمى لمقابلة جروميكو فى صوفيا بعد انتخابات الرئاسة الأمريكية فى نوفمبر وقد وافق السادات ربما لعدم تأكده من المواجهة التى ستتخذها الإدارة الأمريكية الجديدة تجاه الشرق الأوسط ولم تكن المحادثات ناجحة حيث لم يوافق جروميكو إلا على إرسال 50 طائرة ميج 21 إلى مصر من حوالى 173 طائرة كانت قد أرسلت سابقا إلى الاتحاد السوفيتى للإصلاح وفى المحادثات الثنائية كان التقدم بسيطا وكانت النتيجة الإيجابية الوحيدة هى الدعوة إلى عقد مؤتمر جنيف وهو التعهد الذى تم تأكيده مرة أخرى بين مصر وسوريا بعد شهر عندما اتفق قادة البلدين فى القاهرة على أن مؤتمر سوف يبدأ فى مارس 1977 بمشاركة جميع الأطراف بما فيها منظمة التحرير الفلسطينية استمر التدهور فى العلاقات المصرية السوفيتية إذ بعد حدوث أحداث 17، 18 يناير 1977 فى مصر حمل السادات الشيوعيين المصريين المدعومين بواسطة ليبيا والسوفييت أسبابها، وقد أثار اعتراض السوفييت وقاموا بتأجيل التوقيع على بروتوكول التجارة لعام 1977 وبعد زيارة ستينكو رئيس قسم الشرق الأوسط فى وزارة الخارجية السوفيتية إلى الشرق الأوسط، حدث تقدم طفيف بخصوص عقد مؤتمر جنيف، وقد صفت الزيارة بأنها مفيدة وعلق المتحدث الرسمى باسم وزارة الخارجية بأنه قد ظهرت اتجاهات مشتركة وقريبة بالنسبة لجنيف، ولكن سرعان ما ظهر الخلاف مرة أخرى نتيجة لنشر الرئيس السادات لمذكراته التى تناول فيها السلوك السوفيتى السابق فى مصر وخلال عام 1977م استمرت المحاولات من جانب القوتين العظميين لإيجاد خل للصراع العربى الإسرائيلى، تلك المجهودات التى فشلت إما بسبب الخلاف بين الأطراف المعنية، وإما بسبب الخلاف بين الدول العربية وإما بسبب سوء العلاقات بين مصر والاتحاد السوفيتى، حيث أرسل السوفييت رسائل إلى قادة الدول العربية تتهم فيها مصر بإثارة نزع مسلح مع ليبيا وبالرغم من الغضب الذى أثيرت فى مصر من جراء هذه المسألة فقد قبلت الدعوة السوفيتية لمحادثات بين إسماعيل فهمى وجروميكو فى الفترة 8-11 يونيو 77 اعترف البيان النهائى بوجود خلافات فى العلاقات المصرية السوفيتية ولكن البيان أقر بأن المحادثات قد وضعت طرقا ممكنة لتقوية أسس العلاقات السياسية المناسبة بين البلدين، ولكن النزاع على الحدود بين مصر وليبيا فى الفترة من 21-24 يوليو سنة 1977 منع تحسن العلاقات بين مصر والاتحاد السوفيتى وقد منعت مصر القطن من السوفييت فى أغسطس وسحبت جميع الطلبة والعسكريين من الاتحاد السوفيتى، وأوقفت موسكو الزيارة التى كان من المقرر أن يقوم بها جروميكو للقاهرة فى سبتمبر وفى 26 أكتوبر سنة 1977 أعلن السادات أن تسديد الديون السوفيتية على مصر سوف يتوقف لمدة عشر سنوات تبدأ فى يناير 1978 وهكذا وصلت العلاقات المصرية السوفيتية إلى حالة توقف تام وهى الظروف التى سادت عام 1978 وفى ظلها اتخذ السادات فراره بالسفر إلى القدس فى الفترة من 19-21 نوفمبر 1978 وهى المرحلة التى قوبلت بالإدانة من معظم الدول العربية والاتحاد السوفيتى الذى حث جميع القوى التقدمية لتشكيل جبهة متحدة ضد المعتدين وضد الذين يرغبون فى المساومة معه وقد قطعت مصر علاقاتها الدبلوماسية مع كل من ليبيا وسوريا والجزائر واليمن الجنوبية والعراق فى 5 ديسمبر 1978 وبعدها بيومين أغلقت مصر المركز الثقافى السوفيتى فى القاهرة والقنصليات السوفيتية فى الإسكندرية وبور سعيد وأسوان وقد اصطبغت العلاقات المصرية السوفيتية بعد مبادرة السادات بالاتهامات المتبادلة وقد استمرت هذه الصبغة بعد توقيع اتفاقيات كامب دافيد وفى سبتمبر عام 1981 طلب السادات من أعضاء البعثة الدبلوماسية السوفيتية مغادرة مصر بعد اتهامهم بتدبير مؤامرة شيوعية فى مصر ضده وهكذا تكون العلاقات السياسية بعد البلدين قد وصلت إلى حالة تجمد ويكن الآن إبراز الملاحظات التالية بعد هذا العرض التاريخى:
1- أن العلاقات المصرية السوفيتية جزء من كل هو العلاقات بين الاتحاد السوفيتى والدول العربية، وقد كان تأثير الظروف السائدة فى المنطقة العربية على العلاقات الثنائية واضحا فى المراحل المختلفة بغض النظر عما إذا هذا التأثير سلبا أو إيجابيا فأحداث العراق عام 1959 قد أحدثت أزمة فى العلاقات بين مصر والاتحاد السوفيتى، على عكس أحداث لبنان عام 1976 قد ساعدت على تحسن وقتى فى العلاقة كما سبق ذكره
2- أن الاتحاد السوفيتى كان دائما يقدر أهمية تواجده فى منطقة الشرق الأوسط عموما وفى مصر على وجه الخصوص ولذلك نجده يحرص على وجود شعرة معاوية بينه وبين مصر حتى فى الفترات التى وصلت العلاقة بينهما إلى حد الأزمة
3- أنه لا يمكن أن ننكر للاتحاد السوفيتى مساعدته لمصر فى بناء السد العالى والصمود بعد هزيمة يونيو، ثم إحراز النصر عام 1973م، فقد كان حائط الصواريخ مسام1، 2، 3 عاملا فعالا فى شل حركة الطيران الإسرائيلى كما أن الصواريخ المتطورة أرض أرض سهلة الحمل هى التى مكنت سلاح المشاة المصرى من التصدى للدبابات الإسرائيلية وتدميرها أثناء الحرب
4- أنه ليس من مصلحة أن تقطع علاقاتها بإحدى الدولتين العظميين ويمكن تحليل عودة العلاقات المصرية السوفيتية من منطلقين: توجيهات السياسة الخارجية المصرية الوضاع السائدة فى المنطقة العربية
أولا: توجيهات السياسة الخارجية فى عهد الرئيس مبارك (1) أن الرئيس مبارك يحرص على أن تنتهج مصر سياسة متوازنة، فهو حريص على إعادة العلاقات إلى طبيعتها السابقة مع الاتحاد السوفيتى بحيث لا تسبب هذه الخطورة أى ضرر بمصالح أى فريق ثالث وقد أعلن الرئيس مبارك أنه: لا توجد مشاكل وفى وجه تطبيع العلاقات مع الدولة العظمى السوفيتية وأن علاقات نصر الوثيقة مع الاتحاد السوفيتى لا تتناقض مع علاقات طبيعية مع الولايات المتحدة
(2) أن الرئيس مبارك يواصل منذ تولى السلطة سياسة السلام وإزالة التوتر وتنقية الجو فى العالم العربى فمصر قد حذرت من الأوضاع فى لبنان، وتشعر الآن بخطورة حرب الخليج، ووقفت بجانب العراق عندما شعرت أن هناك خطرا يتهدد سلامة أراضيه، وفى نفس الوقت حرصت على التسوية الشاملة المنشودة لهذه الحرب فقام الرئيس مبارك بمبادرته لوقف القتال وتحقيق السلام، وينتهج الآن نمط الدبلوماسية الهادئة مع دول عدم الانحياز للوصول إلى حل للمشكلة العراقية الإيرانية وبعبارة أخرى فإن خيارات السياسة الخارجية المصرية تشمل الاهتمام بالتطورات الإقليمية والدولية معا، وهكذا تأتى عودة العلاقات السوفيتية لتدعم الدور المصرى إقليميا وعالميا (3) أن الرئيس مبارك يعطى اهتماما متزايد للعلاقات مع دول عدم الانحياز والدول الإسلامية ومنطقة الوحدة الإفريقية ويأتى التحرك المصرى ليعطى هذه المجموعة دفعة قوى يعيد لها دورها الكبير وقد أعلن الدكتور أسامة الباز: أن هذا التطبيع يدخل فى إطار سياسة عدم الانحياز وإقامة علاقات طيبه بين مصر وجميع الدول المستقلة بغض النظر عن معتقداتهم الأيديولوجية
(4) وقد لخص الدكتور عصمت عبد المجيد وزير الخارجية عودة العلاقات المصرية السوفيتية فى قوله أن هذا إجراء طبيعى وهو فى تقديرى لا يتعدى عودة الأمور إلى وضعه الطبيعى
ثانيا: الأوضاع السياسية فى المنطقة العربية شهدت الدبلوماسية السوفيتية فى المنطقة العربية نجاحا ملحوظا فى الآونة الأخيرة ويتفق المعلقون على أن نجاح السياسة السوفيتية فى المنطقة يعزى إلى فشل السياسة الأمريكية وبالرغم من أن المسئولين السوفييت يرفضون هذه المقولة إذ يقول كارين بروتنتس خبير شئون الشرق الأوسط فى اللجنة المركزية للحزب الشيوعى والذى زار كلا من سوريا والعراق ولبنان فى شهر أبريل الماضى: نحن لا نوافق على النظرية القائلة أن كل فشل أمريكى يخلق فراغا يجب علينا أن نبادر إلى سده إلا أن حيدار علييف كان حريصا على أن يبين فى زيارته لسوريا أن إلغاء الاتفاق اللبنانى الإسرائيلى الذى عقد تحت إشراف الولايات المتحدة دليل على أن الجهاز السياسى العسكرى الخاص بالولايات المتحدة مصاب بخلل وفى الحقيقة فإن السياسة الأمريكية فى المنطقة كانت سلسلة من الفشل سواء فى حل الصراع العربى الإسرائيلى أو فى لبنان أو فى الحرب العراقية الإيرانية وأن الخليج فبالنسبة للصراع العربى الإسرائيلى: تعتبر الولايات المتحدة أن إسرائيل هى الحليف الاستراتيجى الأول فى المنطقة ويؤكد الرئيس ريجان ذلك من أن لأخر بدءا من تكثيف الزيارات المتبادلة بين المسئولين فى البلدين، وتوطيد التعاون بينهما عن طريق الاتفاق الاستراتيجى، وحرصت الولايات المتحدة على دعم ممارسات إسرائيل أو الاكتفاء بتأنيبها على وجه غير حاسم، واستخدام حق الفيتو ضد أى إدانة لإسرائيل فى مجلس الأمن وتوقيع العقوبات عليها سواء أثناء غزوها للبنان فى يوليو 1981م، ويوليو 1982 أو أثر بناء المستوطنات الإسرائيلية فى الضفة الغربية وصولا إلى رفض واشنطن بيع صواريخ ستيجر للأردن أو السعودية والجدل الدائر الآن حول نقل السفارة الأمريكية فى إسرائيل من تل أبيب إلى القدس وقد بدأت الدول العربية تدرك أن أمريكا أما أن تكون عاجزة عن ممارسة أى ضغط على إسرائيل من أجل الوصول إلى حل عادل للمشكلة الفلسطينية وإما أن تكون غير راغبة فى ذلك وحيث أن موسكو لا نفوذ لها البتة لدى إسرائيل فإنها لن تستطيع أن تسد الفراغ الناشئ عن السياسة الأمريكية، غير أنها وقفت دائما موقف التأييد للقضية الفلسطينية، وكانت دائما مستعدة لتسليح دول المواجهة العربية بالإضافة إلى ضغط السوفييت على سوريا فى الفترة الأخيرة لكى تكف عن تأييد المتمردين فى حركة فتح المطالبين بتنحية ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير بل أن زيارة حيدار علييف عضو المكتب السياسى السوفيتى للعاصمة السورية فى شهر مارس الماضى كانت من اجل ذلك الهدف أن البيان الذى صدر عقب الزيارة أكد ضرورة المحافظة على وحدة منظمة التحرير الفلسطينية والتغلب على الخلافات التى نشأت داخل المنطقة وبالنسبة للوضع فى منطقة الخليج: استنكرت روسيا الحرب فى البداية ووصفتها بأنها عبث وبعيدة عن الحكمة واعتبرت العراق معتدية، وأيدت إيران تأييدا شفويا، إلا أنه منذ أواخر العام الماضى بدأت الأسلحة وقطع الغيار السوفيتية تتدفق على العراق وبعد توقف دام لفترة قصيرة منذ بداية الحرب بعد زيارة طارق عزيز وزير الخارجية العراقى لموسكو فى نوفمبر 1983م واتفق تيخونوف وطه ياسين رمضان النائب الأول لرئيس الوزراء العراقى الذى كان يقوم بزيارة لموسكو فى أبريل 1984 على تعميق وتوثيق التعاون فى المجالات الاقتصادية والفنية والتجارية وفى مجالات أخرى تلميحا للتعاون العسكرى وأصبحت العلاقة بين موسكو وبغداد الآن أفضل مما عليه فى أى وقت أخر خلال السنوات القليلة الماضية ويرجع المحللون سياسة موسكو الجديدة تجاه العراق إلى تدهور العلاقات السوفيتية الإيرانية أكثر من حدوث تغيير فى تحليل نظام الحكم فى بغداد فقد حاول السوفييت عبثا كسب إيران إلى جانبهم وبالرغم من انهم فى عهد الشاه استطاعوا أن يقيموا بينهم وبينه نوعا من العلاقة العملية فإنه تبين أن من المستحيل أن يصلوا إلى نوع من التفاهم مع الخمينى وكان تنفيذ حكم الإعدام فى أوائل هذا العام فى بعض أعضاء حزب توده الشيوعى بمثابة القشة التى قسمت ظهر البعير فالتقارب العراقى السوفيتى كان نوعا من الضغط على الخمينى ليحسن سلوكه فموسكو على حد قول أحد المحللين لم تكن تبدأ فى إرسال الأسلحة إلى العراق إلا بعد أن جربت كل وسيلة أخرى مع إيران ولكن أيا كانت الأسباب للتقارب السوفيتى العراقى فإن سياسة الولايات المتحدة المترددة بالنسبة لأمن الدول الخليجية، وعدم الضغط على إيران خوفا من اتجاهها لموسكو، فقد زاد هذا الموقف المتردد من جانب الولايات المتحدة من استياء الدول الخليجية ففى كلمة ألقاها فى نادى الصحافة فى واشنطن فى شهر أبريل الماضى قال الأمير بندر بن سلطان سفير السعودية لدى الولايات المتحدة نحن مصممون على الدفاع عن أنفسنا، وسنحصل على هذه الأسلحة يقصد صواريخ ستينجر من أى مكان وبعد ذلك بيومين أقام مأدبة عشاء للسفير السوفيتى أناتولى دوبرينين عميد رجال السلك السياسى الأجنبى فى واشنطن وفى اليوم التالى علقت صحيفة الرأى العام الكويتية بقولها: أن مأدبة العشاء هذه يجب أن تجعل الولايات المتحدة تدرك أن احتضانها الكامل لإسرائيل سيكلفها الشىء الكثير نظرا لأن إسرائيل قد ضغطت على الولايات المتحدة بعدم إرسال صواريخ ستينجر إلى السعودية خوفا من تسربها إلى رجال المقاومة الفلسطينية كما ذهبت صحيفة الوطن الكويتية إلى أبعد من ذلك، فدعت السعودية إلى تعزيز علاقاتها مع موسكو بقولها: أن العلاقات القوية بين السعودية والاتحاد السوفيتى ستكون فى صالح القضية العربية عامة وفى صالح منطقة الخليج بصفة خاصة وقد بادرت وكالة أنباء السعودية إلى التهديد من شأن الشائعات التى تؤكد أن الرياض توشك أن تقيم علاقة دبلوماسية مع موسكو وقال أنه يجب أن لا نعلق على تلك المأدبة أى أهمية خاصة أما المراقبون الذين يلزمون جانب الحذر فيقولون أن هذه الشائعات تطفوا إلى السطح كلى توترت العلاقة بين الرياض وواشنطن بصورة غير مألوفة والحقيقة أن هذه الأحداث لا تعنى فى مجملها إنشاء علاقة دبلوماسية بين موسكو والرياض على الفور، ولكن الضغط المستمر من جانب الكويت ثم من جانب الأردن يمكن أن يأتى ثماره خاصة وأن الكويت تقيم علاقات دبلوماسية بينها وبين الاتحاد السوفيتى وتشهد العلاقات بينهما تحسنا كبيرا خاصة بعد زيارة الشيخ سالم الصباح وزير الدفاع الكويتى لموسكو وإبرام صفقة أسلحة سوفيتية لصالح الكويت والتى وصفتها صحيفة الوطن الكويتية بأنها صفقة نهائية ومن ناحية أخرى فقد دأب الملك حسين فى الآونة الأخيرة على توجيه النقد للسياسة الأمريكية فى المنطقة خاصة وأن الولايات المتحدة قد رفضت إمداد الأردن بصواريخ ستينجر وبالنسبة للبنان: فإن فشل السياسة الأمريكية كان واضحا بعدم القدرة على الضغط على إسرائيل بالانسحاب منها، ثم سحب الولايات المتحدة لقوات مشاة البحرية التابعة لها (المارينز) من لبنان ولاشك أن هذا الفشل قد أوضح أهمية الدور السوفيتى فى التوصل لحل مشكلة لبنان وقد لخص الملك حسين يوم 9/7 فى خطاب ألقاه فى مأدبة العشاء التى أقيمت بمناسبة زيارة الرئيس فرانسوا ميتران للأردن الوضع فى المنطقة العربية بقوله: (أن فرص التسوية اللازمة التى استمرت 36 عاما تبدو اليوم أقل من أى وقت مضى، ولم تصل المنطقة إلى مثل هذه المرحلة الخطرة من قبل، ففى طرقها الشرقى هناك حرب مدمرة بين إيران والعراق وعلى وشك الانتشار إلى الدول الأخرى داخل وخارج المنطقة كما أن الموقف متفجر بنفس الدرجة فى الجهة الغربية من الشرق الأوسط، فإسرائيل تحتل لبنان منذ سنتين وتمارس سيطرتها فى مرتفعات الجولان السورية وفى المناطق التى تحتلها فى الضفة الغربية وفى هذا الإطار وجه اللوم إلى إسرائيل بسبب سياستها التوسعية وسبب المساعدات المادية والسياسية التى تتلقاها من دولة عظمى معنية على حد قوله وأشار إلى الفشل الخير لجهود السلام الأمريكية فى منطقة الشرق الأوسط بقوله إننا تعلمنا درسا بعد فشل جهود السلام وهى أنه ليس من الممكن السماح لدولة بتقديم مبادرات بمفردها ، واقترح عودة الأمم المتحدة لتقديم المساعدات فى عقد مؤتمر لتحقيق السلام فى الشرق الأوسط وهكذا تأتى عودة العلاقات المصرية السوفيتية استجابة لتوجهات السياسة الخارجية المصرية التى تسعى إلى إعادة التوازن فى علاقات مصر بالدول الأخرى دون المساس بمصالح أى دولة، وفى ظل مناخ سياسى عربى يتميز بنجاح السياسة السوفيتية
المصدر:
 السياسة الدولية: فتحي حسني عطوة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق