الجمعة، 11 يناير، 2013

المشروع الإسلامي لفتح وتحرير الأقصي

                                    بقلم/ مصطفي محمود علي
إن خير ما نبدأ به مقالنا هو قول المولي عز وجل: "إنا فتحنا لك فتحا مبينا" ونتُبعه بقول نبينا: "إن الله لا يغيرما بقوم حتى يُغيروا ما بأنفسهم" صدق رسول الله  e.
   التغيير هو مفتاح كل أمر مُغلق وكل باب موصد وكل عقل ضال, وقلب قاس وجوارح مُتعطشة للجهاد, بهذا التغيير تقوم دول وتنهار ممالك كما يقول بن خلدون في مقدمته, التغيير للأفضل هو جُل ما يَنشده العباد حقيرهم وكبيرهم حاكمهم ومحكومهم, ولكن ما هو الأفضل لكل فئة؟ يقول "عبد الرحمن الكواكبي" في كتابة طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد "إن هناك فئة من الحكام المستبدين لا ينقطع لهم عزم ولا همة علي استعباد الناس بكل الوسائل وشتي الطرق", ودلل الكواكبي علي استبداد الحكام ما قد رأيناه وشاهدناه رأي العين, ولعل خير مثال علي ذلك, الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك وما حل به, فالاستبداد والاستعباد يؤخر تقدم الأمم, فتتحول البلاد إلي مجرد غابة يسودها قانون البقاء للأقوى, وهو نفس القانون الذي استخدمه المماليك للوصول إلي الحكم, فتناسوا ما عليهم من واجبات الجهاد وحقوق العباد, وبذلك تداعت عليهم الأمم وهم من كل حدث ينسلون, فليس مجال الحديث هنا عن إسطول البرتغاليين أو طريق رأس الرجاء الصالح, وإنما نعود إلي الوراء بأزمان إلي ما قبل الدولة الصلاحية (الأيوبية). حيث تشتت أجزاء الدولة العباسية وتناحر القواد والولاة والأمراء علي اقتسام البقعة الإسلامية التي ما لبث الإسلام أن انتشر فيها بفضل رجالها, حتى نضب معين عمر بن الخطاب وأسد الإسلام وسيف الله المسلول, وتحول الخلفاء عن الآخرة إلي الدنيا, وعن الشجاعة إلي الجبن, وعن الشهامة إلي الدياسة إلا مار حم ربي, وحينها تحقق قول المصطفي e :" توشك الأمم أن تداعي عليكم كما يتداعي الأكلة إلي قصعتها.."
   "لقد أعزنا الله بالإسلام فإذا ابتغينا العزة بغيرة أذلنا الله" هذه الكلمات قالها الفاروق أثناء دعوته لتسلُّم مفاتيح بيت المقدس قبل ألف وأربعمائة عام, فلا أحد يفري فريه حينما دخل بيت المقدس ماشيا وغلامه راكبا, فهابه جميع من حضر هذا المؤتمر الإسلامي العُمَري, من مسلمين ومسيحيين ويهود وغرباء ودخلاء, ويصور لنا "العقاد" في كتابه عبقرية عمر عندما عدد صفاته بأن "كل صفه وصلت إلي منتهاها في شخص واحد من قوة ولين, وشجاعة وهدوء وحلم وأناة..." وأقول مهما تكلمنا عن هؤلاء الرجال فلا نستطيع أن نوفيهم حقهم .
   انتشر الإسلام في ربوع البلاد من أقصاها إلي أقصاها, ومازال يمتد ويتسع في الأرض, حتى يبلغ ما زوي لرسول الله منها, فلا يبقي بيت وبر ولا مدر إلا دخلة بعز عزيز أو بذل ذليل, ولا يكون ذلك إلا بتطبيق شِرعة الله ومنهاجه, فلما كان ذلك, طوّق الإسلام بزراعية أوروبا حتى كاد يصل شرقيّه بغربيّة, ساعتئذ كانت القلوب عامرة بذكر الله, ووصلت الفتوحات إلي فرنسا في الشمال الغربي من قارة أوروبا بقيادة القائد المُظفّر "موسي بن نصير" يعاونه القائد الشهير "طارق بن زياد" وفي الناحية الشرقية وصلت الفتوحات إلي بلاد الأناضول, فلما زاغت القلوب والأبصار, أخذوا منا الأندلس...! وإنه لتشيب الرؤوس من ذِكر ما فعله أعداء الإسلام وتقشعر الأبدان عند ذكر محاكم التفتيش؛ فهذا يُصلب وذاك يدفن حيا وثالث تقطع أيديهم وأرجلهم وفئة يلقي بهم في النار وأخري في الماء, لا لشئ وإنما لأنهم يوحدون الله رب  المشارق والمغارب, وحدث هذا عندما انحرف أولي الأمر عن المنهج الإلهي والسنة النبوية.
   مثلما حدث في الغرب حدث مثله في الشرق, وأمَرّ من ذلك كانت الكلمة مُشتته والأرض مُقسّمة؛ والخلفاء في حروبهم من أجل عروشهم فقط؛ وفي الناحية الأخرى, الوزراء والأمراء مشغولون بجمع المال واقتناء الجواري وكأن أيامنا تحاكي أيامهم فما أشبه اليوم بالبارحة!
    وظهرت في الدولة الإسلامية علامات المرض والوهن والضعف ومما زاد الطين بله دخول المغول بغداد وقتلهم الخليفة العباسي وسمل عينيه, وفضلاً عن ذلك إحراقهم مكتبة بغداد الشهيرة التي حوت بداخلها كل ما جمعة المأمون والمعتصم ومَنْ قبلهم ومَنْ بعدهم, وعاثوا في الأرض فساداً, والعالم الإسلامي في غفلة وحدثت الخيانة في الصفوف فإنحاز ضُعّاف الإيمان إلي التتار ومنهم الوزير الفاسد "بن العلقمي" وصمد في وجههم قلة, ولكن "كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله".
   كل هذا كان في قلب الدولة ومركز الحكم, فماذا عن الأطراف والحدود....؟
   إن ضعف الدولة العباسية في عصرها الثاني, الذي بخل فيه الزمن عن منحنا "بطل" يقف في وجه الطغاة, جعل الأمراء ينفردون بما تحت أيديهم, فالدولة الأموية في الأندلس في أقصي الشمال الغربي, والي غرب الدولة كانت هناك الخلافة العُبيدية في المغرب العربي, ثم الدولة الحفصيّة ودولة الأدارسة ما بين المغرب ومصر الخلافة الفاطمية ومن بعدهم الدولة الأيوبية في مصر, والسلاجقة في الشمال الشرقي للدولة الإسلامية, والقرامطة في الجنوب وخروجهم علي أهل السنه والجماعة, وأخذهم للحجر الأسود من حجْر الكعبة؛ حتي ضاق الناس بهم ذرعاً, أما في شرق الدولة فهناك الدولة الطاهرية وواليها القائد "طاهر بن الحسين" الذي اقتطع تلك البقعة من إقليم فارس الذي هو داخل الحدود الإسلامية وتحت مظلة الشريعة الإسلامية.
   هذه نظرة عامة علي حال الأمة الإسلامية في قرنها الرابع الهجرى, وتداعيات الخلفاء ومرؤوسيهم ومقدار الانحراف عن الخط المستقيم الذي رسمته الخلافة الراشدة, كل ذلك حدث والمشروع الإسلامي لم يكتمل بعد, فبعد تسلُم مفاتيح بيت المقدس سرعان ما أُخذت منا علي أيدي الصليبيين. لتبدوا صورة العالم الإسلامي صورة شبه ممزقة, وتحتاج إلي مُجدد أو فارس أو فاتح أو بطل أو مصلح يعيد بناء الصرح من جديد, ويجبر الكسر ويُضمْد الجراح ويداوي الشروخ ويوقظ القلوب, ويزيح الغمام عن الأبصار, وينفُث في روح العباد من حب الجهاد وإعلاء الكلمة, ما يستعين به علي لم الشمل.
   لقد بدأ المشروع الإسلامي يظهر من جديد, ولاح في الأفق وبدت علاماته, فالهدف واحد ألا وهو فتح الأقصى الأسير, واسترداده من الصليبيين الذين وضعوا قواني الخمر في ساحته..! أما صليبي اليوم فيحفرون تحته الأنفاق حتى يتهاوي ويخر صريعاً وهذا لن يحدث بالطبع, رغم حالة التشرذم الذي يعيشه العالم العربي في محيطه البعيد, والعالم الإسلامي في محيطة الأبعد, إلا أن رياح النصر بدأت تهب علي أوطاننا عقب ربيع الثورات العربية, التي اندلعت بعد عناء مرير مع حكومات الاستعمار السالف, الذي ترك تلك القيادات بعد خروجه من نطاق الأراضي العربية, فليست تونس عنا ببعيد وما حدث فيها من حاكمها السيئ الخُلق الذي مَنَعَ الحجاب (النقاب) من أن ترتديه النساء! فقامت الثورة التي أطاحت به وانتصرت, رأيناه يفر هارباً مرتديا نفس الحجاب الذي منعة ولولا ارتدائه النقاب لاكتشفوا أمرة وذبحوه...! ونظرة علي ثورة مصر الذي أسقطت طاغية من طغاة العالم الحديث والمعاصر, الذي يأتي في المرتبة بعد موسوليني وهتلر وصدام ولينين, وإنه لشرف عظيم للمصرين بأن أطاحوا هذا الفرعون. وما زالت الصحوة تزحف علي العالم الإسلامي لتهب رياحها علي  ليبيا وتنتفض من غبار حاق بها من بعد خروج الطليان منها, والحاكم الدكتاتوري الذي حكمهم أربعين عاماً ! من أين يأتي هؤلاء البشر...؟ أهم بشر حقاً...؟ أهم إنس أم جن أم مردة شياطين؟ ورغم ذلك جميعهم كانوا مُتسلطين إلا أنهم لا يستطيعون رفع أعينهم في مواجهة إسرائيل التي لا تتواني لحظة في هدم الأقصى وأبوابه, ولكنهم رضوا بأن يطأ طئوا رؤوسهم في زلة وانكسار منفذين رغبات الغرب وأهوائه. وبدأت إشراقه الأمل تطل علينا من أقصي الجنوب وبالتحديد في اليمن العزيز الذي هب هو الآخر يزيح معاناة السنين والآلام التي خلفها الخونة علي البلاد, ووُفِقَ إلي أبعد الحدود, لنجد أنفسنا اليوم أمام سوريا التي مازالت تحاول التشبث بحبال الأمل والحرية والشريعة الإسلامية. وإنني لأنزف ألماً علي ما ألّم بالعلم العربي والإسلامي من فقر في القيادة التي تقول: لا للاستعمار, لا للتخلف, لا للرجعية, لا لليهود الغاصبين, لا للتطبيع, لا للاستسلام...! وأتذكر هنا قول المعتصم العباسي عندما أغارت بلاد الروم علي أرض العرب في الشام وأسروا امرأة عربية, هذه المرأة استنجدت بالمعتصم وهو علي سرير ملكة ببغداد - وأين هي بغداد اليوم – وقالت وآه معتصماه فقال لها لبيك, وأمر بإعداد الجيوش وبعث رسالة إلي ملك الروم قال فيها: "من عبدالله المعتصم الي كلب الروم أطلق سراحها وإلا بعثت إليك بجيش أوله عندك وآخره عندي", هل رأيت حاكما يتفوه بكلمة ضد من اغتصبوا بناتنا ورمّلوا نسائنا وبقروا بطون حواملنا وحرّقوا لِحْيَ رجالنا ومثّلوا بأطفالنا وغير ذلك من المآسي, وما تشيب له الرؤوس, وأن شئت فألقي النظر علي مذبحة قانا ودير ياسين وغيرها و غيرها.
   وثمة سؤالٌ يلحُ عليّ دائما متى يأتي الرجل الذي يُحرر البلاد والعباد أهو بين أظهرنا ولم تحن الفرصة لخروجه أم هو لم يأتي بعد ؟
   عادتاً ما يخرج العظماء من أعماق الصحراء أو من بيئات صعبة, ويتبع نشأتهم ظروف وأوضاع قلقلة ومضطربة – وإني لأري أن هذه الصفات موجودة في هذه الأيام – كما يقول "مايكل هارت" صاحب كتاب العظماء مائه وأعظمهم محُمد e فالبداية كانت في المُوصل, حيث كان نحم الدين أيوب وأسد الدين شيركوة هذان الاثنان قائدان لحاكم الموصول ودفعتهم الظروف والتقلبات السياسية إلي الرحيل عن الموصل إلي دمشق , وفي الطريق ولد صلاح الدين الأيوبي فتطير والده من مولده! وكاد أن يقتله لولا أن رجال عقلاء مؤمنين أقنعوه بأن هذا الغلام لا ذنب له فيما حدث, وقالوا ربما يكون هذا الغلام قائداً يفتح الله علي يديه البلاد فهدأ نجم الدين أيوب واستكان.
   ولسنا هنا لنسرد قصة ميلاد هذا الفارس, وإنما نقفز بالتاريخ إلي نقطة فاصلة وهامة وهي عندما استنجد الخليفة الفاطمي "العاضد" بنور الدين محمود ليعينه علي تثبيت عرشه ومحاربه وزيره شاور الذي تعاون مع الصليبيين, وعلي الفور أتي قائد نور الدين وهو "أسد الدين شيركوة" وبرفقته صلاح الدين وانتهت المعركة لصالح نور الدين و العاضد وهزيمة شاور وقتله, وتم عقد هدنة بين نور الدين و العاضد يكون وزير الأخير أسد الدين شيركوة, وبعد وفاة هذا القائد حيث لم يبقي في الوزارة إلا شهرين, تولي صلاح الدين يوسف بن نجم الدين أيوب الوزارة وقلده الخليفة العاضد الخلعة واختاره ليرأس الوزارة لا لكفايته وإنما رأي العاضد أنه سيكون ألعوبة في يده.
   يبدأ من هنا المشروع الإسلامي لفتح الأقصى وتحريره ولكن بالتدريج وليس جملة واحدة فالخلافة الفاطمية في مصر شيعية وليست سنية فعمل صلاح الدين علي تحويل هذا المذهب إلي المذهب السني, وبقي حوالي ثلاث سنوات حيث بدأ بتعيين مدرسين سنة وقضاة سنة ودعاة سنة, ولم يكتفي بهذا فقط بل ضم في كنفه أعظم علماء العصر في ذلك الوقف أمثال عيسي الهكاري والقاضي الفاضل عينهم مساعدين له وقضاة, وعندما سنحت الفرصة لقطع الخطبة عن الخليفة الفاطمي وتحويلها إلي الخليفة العباسي المستضيء بالله تم ذلك علي مرحلتين, فأبطل حي علي خير العمل في الآذان, وفي خطبة الجمعة لم يقطع الدعاء للعاضد مرة واحدة وإنما قال للخطيب : "أدعوا اللهم أيد العاضد لدينك" فالتبس الأمر علي الشيعة والسنة ولمّا لم يجد رد فعل قطع الخطبة عن العاضد نهائياً, ولما سمع العاضد بذلك مات فقال صلاح الدين: "لو نعلم أن قطع الخطبة عنه سيُميته  ما قطعناها".
   إن الدافع القوي الذي سيطر علي صلاح الدين لتحرير الأقصى – وهو نفس الدافع الذي يدفعنا لتحرير الأقصى الآن ولكن ليس من صليبي العصور الوسطي ولكن من صليبي العصور الحديثة وهم اليهود فإنهم أبشع من الصليبيين الأوائل – لم يجعله يتعجل مشروعة وبدأ في هذا المشروع الذي طالما حلم به خطوة بخطوة, متبعاً أثر عمر بن عبد العزيز حينما قال له ابنه عبد الملك: "لماذا يا أبي لم تقضي علي الفساد جملة واحدة" قالها بدافع الحماس والغيرة علي الدين فقال الذي جدة الفاروق: "إن الله ذم الخمر في القرآن مرتين وحرمة في الثالثة وأخاف إن أحمل الناس علي الحق جملة واحدة فيتركوه جملة واحدة". ألم تري إلي هذا الحديث هو ما نحلم به اليوم و هو ما حلم به أسلافنا من قبل في القرن الرابع الهجري.
   ومن هذا المنطلق بدأ صلاح الدين يعد العدة لخوض المعارك والحروب ضد الصليبيين و انتهت هذه الملحمة بانتصار المسلمين في معركة "حطين" وانتهت تلك الملحمة بانتصار المسلمين بعد عناء مرير, من توحيد الصفوف وإنفاق المال والصلاة والتضرع والابتهال إلي رب العالمين لكي يزيح هذا العدو من بيننا.
   إن ما نحلم به الآن هو ما حلم به المسلمون في القرن الرابع الهجري - الذين ذاقوا مرارة الهزيمة وأخذ أغلي قطعة من أرضهم – من إزاحة اليهود والأمريكان عن أراضينا ولا يكون هذا بالكلام, وإنما الحل الأسرع والأعجل هو الرجوع إلي شرع ا لله وكتابه وسنه رسوله الكريم وإيقاظ القلوب النائمة, والعمل الحثيث والوحدة بين المسلمين الذي بدأ عقدها في الانفراط  منذ زمن معاوية بن أبي سفيان, وأعود إلي كلام الشيخ كشك حينما قال: لو أن المسلمين جراداً ووقفوا فوق سماء إسرائيل لم نري لهم أثر بعد عين.
   إننا ننتظر صلاح الدين القادم ونور الدين القادم من أي مكان, ليس من دمشق فقط ولا من عائلة قريش ولكن من أي بقعة من بقاع العالم الإسلامي, وإني لأقول ونحن في انتظار صلاح الدين: لا بد أن تجعل من نفسك صلاح الدين ونور الدين وقبلهم الفاروق وبعدهم سيف الدين قطز والظاهر بيبرس والقاضي الفاضل وعز الدين بن عبد السلام وأبي حامد الغزالي ومحمد الغزالي لشعراوي لكي نهب وتهب, في وجه هذا العدو الغاصب الذي سفك وغصب وشرد وأرمل, ويتم وهدم وأباح واستباح وقتل كل كبير وصغير ورجل وامرأة وطفل وشاب .....
   فالقدس الآن أمانه في رقبة كل مسلم حاكم ومحكوم, فقرر أنت مشروعك الإسلامي لتحرير الأقصى السليب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق