الأحد، 31 مارس، 2013


 البابا شنودة الثالث في القلب 
(1923-2012)
بقلم /مصطفي محمود علي
إن اسيوط ما زالت تنجب رجال عرفهم العالم بالعلم والقوة والصلابة والوطنية ...إلخ وإذا كانت أسيوط قد أمدتنا 
بالباقوري وصادق العدوي ومحمود حسن اسماعيل وعبد الرحمن تاج والمنفلوطي وحافظ ابراهيم ..إلخ أمدتنا كذلك بــ نظير جيد روفائيل الذي ولد في هذه إحدى قري المحافظ ولم يكن يعلم أنه يوما ما سيصر به الأمر إلي كرسي البابوية وبطريك الكرازة المقرسية في الإسكندرية ورئيس أساقفه مصر ، ولم يكن من خلال تاريخه إلا نموذجا من الوسطية والوطنية وأعتقد انه تعلم كثيرا أيام السادات فأفاد من المواقف فيما يخدم  اهله.
ولد عام 1923بقرية (سلام) مركز أبنوب محافظة أسيوط باسم : نظير جيد رفائيل". وهو البابا رقم 117. كان أول أسقف للتعليم المسيحي قبل أن يصبح البابا، وهو من الكتاب أيضا إلى جانب الوظيفة الدينية العظمى التي يشغلها، وهو ينشر في جريدة الأهرام الحكومية المصرية بصورة منتظمة
دراسته
التحق بجامعة فؤاد الأول (القاهرة) ودرس في كلية الآداب وتخصص في قسم التاريخ، وبدأ بدراسة التاريخ الفرعوني والإسلامي والتاريخ الحديث، وحصل على الليسانس بتقدير (ممتاز) عام 1947. وفي السنة النهائية بكلية الآداب التحق بالكلية الأكلركية وبعد حصوله على الليسانس بثلاث سنوات تخرج من الكلية الإكليركية وعمل مدرساً للتاريخ. حضر فصولا مسائية في كلية اللاهوت القبطي وكان تلميذاً وأستاذا في نفس الكلية وفي نفس الوقت
كان يحب الكتابة وخاصة كتابة القصائد الشعرية وقد عمل محررا ثم رئيسا للتحرير في مجلة مدارس الآحد وفي الوقت نفسه كان يتابع دراساته العليا في علم الآثار القديمة. كان من الأشخاص النشيطين في الكنيسة وكان خادما في مدارس الآحد. ثم ضباطاً برتبة ملازم بالجيش .
انخراطة في العمل الديني
كان نظير جيد  خادما بجمعية النهضة الروحية التابعة لكنيسة العذراء مريم بمسرة وطالباً بمدارس الأحد ثم خادما بكنيسة الأنبا أنطونيوس بحي  بشبرا  في منتصف  الأربعينات وام رسمه راهباً باسم (انطونيوس السرياني) في يوم السبت 18 يوليو 1952 إلي عام 1956 وقد قال أنه وجد في الرهبنة حياة مليئة بالحرية والنقاء ومن عام 1964 -1965 عاش حياة الوحدة في مغارة تبعد حوالي 7 أميال عن مبنى الدير مكرسا فيها كل وقته للتأمل والصلاة.
وبعد سنة من رهبنته تمت سيامته قساً وأمضى 10 سنوات في الدير دون أن يغادره. عمل سكرتيراً خاصاً للبابا كيلرس السادس عام  1959 رُسِمَ أسقفاً للمعاهد الدينية والتربية الكنسية، وكان أول أسقف للتعليم المسيحي وعميد الكلية الإلكليريكيه وذلك في 30نوفمبر 1962 .
 باباويته    وعندما مات البابا كيرلس في الثلاثاء 9 مارس 1971 أجريت انتخابات البابا الجديد في الأربعاء 13 أكتوبر. ثم جاء حفل تتويج البابا (شنودة) للجلوس على كرسي البابوية في الكاتدرائية المرقسية الكبرى بالقاهرة في 14 نوفمبر 1971 وبذلك أصبح البابا رقم (117) في تاريخ البطاركة
في عهده تمت سيامة أكثر من 100 أسقف وأسقف عام؛ بما في ذلك أول أسقف للشباب، وأكثر من 400 كاهن وعدد غير محدود من الشمامسة في القاهرة والإسكندرية وكنائس المهجر. أولى اهتماما خاصا لخدمة المرأة في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية. يحاول دائما قضاء ثلاثة أيام أسبوعيا في الدير، وحبه لحياة الرهبنة أدى إلى انتعاشها في الكنيسة القبطية حيث تم في عهده سيامة المئات من الرهبان والراهبات. وكان أول بطريرك يقوم بإنشاء العديد من الأديرة القبطية خارج جمهورية مصر العربية وأعاد تعمير عدد كبير من الأديرة التي اندثرت.
وفي عهده زادت الابارشيات كما تم إنشاء عدد كبير من الكنائس سواء داخل أو خارج جمهورية مصر..
خلافة مع السادات والتسوية مع مبارك: 
طوال سنوات الثورة الأولى لم يحدث احتكاك واضح بينها وبين الكنيسة، بل لعل الأقباط كان وحدهم الذين نجوا من حفلات الاعتقال التي دشنتها الثورة طوال سنوات الخمسينيات والستينيات كما يقول الشيخ عبد الحميد كشك: "ولم يدخل فيه –السجن- أصحاب العمامات السوداء" وطالت كل التيارات والاتجاهات بما فيها الشيوعيون والإخوان المسلمين، ولم يكن الأمر هنا فيه شيء من صفقة بين النظام والأقباط، وإنما جرت الأمور على طبيعتها فلم يكن للأقباط -كتجمع ديني- أي طموح سياسي بعد قيام ثورة يوليو على عكس الحال مع باقي التيارات الأخرى التي اصطدمت رغباتها مع طموح رجال الثورة، لكن الأمر اختلف في السبعينيات بعد أن اعتلى "السادات" وخلفه البابا "شنودة" قمة الرئاسة والكنيسة على الترتيب.
الاصطدام لم يأتِ مبكرا، وبخاصة أن السيد الرئيس "السادات" لم يكن في حاجة لتوسيع رقعة الأعداء الكثيرين، وبعد أن أزاح ما يعرف بـ"مراكز القوى الناصرية" كان لابد وأن يلملم ولا يفرق لأنه مقدم على حرب حتمية مفروضة عليه لاسترداد الأرض، وبعد نصر أكتوبر عام 1973 بات "السادات" أكثر ثقة في نفسه وأكثر انفرادا بالقرار فكان قراره الأخطر بإطلاق يد الجماعات والتيار الإسلامي -دون قيد- في الجامعات والشارع السياسي المصري لمحاربة التيار اليساري والشيوعي فكان أن تحقق له هذا بالفعل.
حدث الصدام عندما قد سجل البابا "شنودة"رفضه لاتفاقية السلام مع إسرائيل، وأكد ذلك بأن قرر عدم الذهاب مع الرئيس "السادات" في زيارته إلى إسرائيل عام 1977، هذا بطبيعة الحال صنع حالة عدائية من السادات تجاه البابا لأنه لم يتصور أن يخالفه أحد في قرارته بعد الحرب فما بالك إذا كان هذا هو القيادة الكبرى لكل الأرثوذكس الذين يشكلون أغلبية المسيحيين في مصر؟
بات الصدام وشيكا.. وفي ظل اتهامات متزايدة من الأقباط بأن الدولة تغذي العنف تجاههم من قبل الجماعات الإسلامية، وعندما قام الرئيس "السادات" بزيارة إلى أمريكا كان الصدام.. إذ نظم الأقباط في أمريكا مظاهرة مناهضة لـ"السادات" رفعوا فيها لافتات تصف ما يحدث للأقباط في مصر بأنه اضطهاد وهو بالقطع ما أضر بصورة "السادات" كثيرا فطلب من معاونيه أن يتصلوا بالبابا ليرسل من يوقف هذه المظاهرات، وعندما حدث هذا فعلا متأخرا بعض الشيء ظن "السادات" بأن البابا "شنودة" يتحداه، فكانت أن أصدرت أجهزة الأمن قرارا للبابا بأن يتوقف عن إلقاء درسه الأسبوعي, الأمر الذي رفضه البابا ثم قرر تصعيد الأمر بأن أصدر قرارا بدوره بعدم الاحتفال بالعيد في الكنيسة وعدم استقبال المسئولين الرسميين الذين يوفدون من قبل الدولة عادة للتهنئة.
بل وصل الأمر إلى ذروته عندما كتب في رسالته التي طافت بكل الكنائس قبيل الاحتفال بالعيد أن هذه القرارات جاءت "احتجاجا على اضطهاد الأقباط في مصر"، وكانت هذه المرة الوحيدة التي يقر فيه البابا علانية بوجود اضطهاد للأقباط في مصر ولم يفعلها بعد ذلك مطلقا.. أصبحت القطيعة بين "السادات" والبابا "شنودة" هي عنوان المشهد، ولذا كان من المنطقي أن يطول العقاب البابا في أيام "السادات" الأخيرة عندما أصدر في سبتمبر عام 1981 قراره بالتحفظ على 1531 من الشخصيات العامة المعارضة، لم يكن مصير البابا الاعتقال وإنما كان تحديد الإقامة في الدير بوادي النطرون، ولعل "السادات" فعل ذلك درءا لرد فعل مضاد من قبل الأقباط.
وعندما تقلد الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك مقاليد الرئاسة في 14 أكتوبر 1981 قام في عام 1985 بالإفراج عن المعتقليين الذين قام سلفه السادات باعتقالهم وقابل بعضهم وكان على رأس هذا البعض "البابا شنودة"، ومن هذا اللقاء بدا واضحا أن سياسة الرئيس "مبارك" تتجنب الصدام بأي شكل من الأشكال مع الأقباط، وإن من مزاعم الأقباط المصريين أنهم مضطهدين ويلعبون بهذه الورقة في أوقات معينة  وفق منهج يريدونة ومطالب يرغبون في تنفيذها فيخرجون ورقة الإضطهاد ويلعبون بها علي أشد الأوتار حساسية ويستعطفون الغرب وأقباط المهجر بأساليبهم الغير مقبولة ومن عاش في مصر لم يستطع أن يفرق بين مسلم وقبطي سواء كان ذلك في المأكل اوالملبس أو في العمل أو في شتي مناحي الحياة حتي أنك تشاهد الإندماج واضحا إلي حد يدعو إلي الدهشة والعجب وكأنهم نسيج واحد وهم بالفعل كذلك.
من أقوال البابا شنودة
يقول البابا: "الله قد يسمح لقوى الشر أن تقوم علينا ، ولكنه فى نفس الوقت يأمر القوات السمائية
أن تقف معنا وتحمينا . ونحن نغنى مع أليشع النبى الذى اجتاز نفس التجربة ونقول
إن الذين معنا أكثر من الذين علينا " . ويقول الرب لكل واحد منا لا تخش من خوف الليل ، ولا من سهم يطير فى النهار . يسقط عن يسارك ألوف، وعن يمينك ربوات وأما أنت فلا يقتربون إليك.

ويقول أيضا:

إن كنت مصلوبًا وبخاصة من أجل الحق أو من أجل الإيمان ، فاعرف أن كل ألم تقاسيه هو
محسوب عند الله ، له إكليله فى السماء وبركته على الأرض.
ومن أقواله:
ثق أنك لست وحدك . أنت مُحاط بمعونة إلهية وقوات سمائية تحيط بك ، وقديسون يشفعون فيك"

ويقول أيضا:

لا تنظر إلى المشكلة ، إنما إلى الله الذى يحلها . شعورك بأن الله واقف معك فى
مشكلتك يمنحك رجاء وقوة.
من أشعار البابا شنودة:
لقد كان البابا شاعرا كبيرا ووطنيا كريما وإنسانا جميلا طغي حبه علي أتباعه حتي حبه من ليس من أقرباؤه، كان رقيق العاطفة مرهف الحي ويتبين ذلك من من شعره الذي يتغني به ففي قصيدته المساه المغارة التي ألفها عام 1961 يتحدث فيها عن الدنيا والآخرة ويحذر من عواقب الدار الفانية فإلي القصيدة:
أو تدري أنت ما أنت هنا
يا صديقي لست أدري ما أنا
و جميع الناس أيضاً مثلنا
أنت مثلي تائه في غربة
ثم نمضي حين يأتي يومنا
نحن ضيفان نقضيَ فترة
ثم ولى بعدها آباؤنا
عاش آباؤنا قبلاً حقبة
فلا قنية أملك فيه أو غنى
قد دخلت الكون عرياناً
جمع العقل بجهل واقتنى
و سأمضي عارياً عن كل ما
مسكناً في الأرض أو مستوطنا
عجباً هل بعد هذا نشتهي
قد سكرنا وأضعنا أمسنا
غرنا الوهم ومن أحلامه
قبلما نمضي وتبقى ليتنا
ليتنا نصحو ويصفو قلبنا

وفي عام 1946 أنشد قصيدة  أبواب الجحيم يتحدث عن الظلم والصبر عليه:
كم سعى الموت إليك
كم قسا الظلم عليك
و تعذيب و ضنك
كم صدمت باضطهادات
بمسامير و شوك
كم جرحت كيسوع
طردوك و نفوك
عذبوك و بنيك
ضد كفران و شرك
عجبا كيف صمد ت

رحيل البابا إلي وادي النطرون رحلة بلا عودة!
أعلن الأنبا بيشوى سكرتير المجمع المقدس يوم السبت 17 مارس 2012 وفاة البابا شنودة الثالث، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، عن عمر يناهز 89 عاماً.
وأضاف في بيان رسمي: "المجمع المقدس للكنيسة القبطية الأرثوذكسية يودع لأحضان القديسين معلم الأجيال قداسة البابا شنودة الثالث بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، نياحا لروحه والعزاء للجميع."

وتم في يوم الأحد 18 مارس2012  وضع جثمان قداسة البابا في كامل هيئته الكهنوتية على كرسى القديس مار مرقس في الكتدرائية المرقسية بالعباسية لإلقاء نظرة الوداع عليه. وأقيم أول قداس صباح الأحد في وجود الجثمان، ورأس الصلاة الأنبا باخوميوس، قائم مقام البطريرك في حضور معظم أساقفة  المجمع المقدس للكنيسة القبطية الأرثوذكسية . واستمر بقاء الجثمان على كرسى البابوية حتى يوم الثلاثاء 20مارس 2012 لإتاحة الفرصة أمام أكبر عدد من الأقباط وزوار مصر لإلقاء نظرة الوداع على جثمان البابا شنودة, وتم نقل جثمانه يوم الثلاثاء بطائرة عسكرية بقرار مصدق من المشير محمد سيد طنطاوى  الي دير الأنبا بيشوى بوادي النطرون حيث أوصى ان يدفن هناك ودفن في تابوت أهداه له بابا روما بندكت السادس عشر .
وكان لهذه الحادثة التي هي وضع الجسمان ثلاثة أيام علي كرسي من الحوادث التي  ما لم يسمع بمثلها الأولون والاخرون وهي حادثة فريدة في التاريخ وهي من الأشياء الغير محمودة في الأديان السماوية وبرغم ما للبابا من مكانة إلا أن هذه الحادثة أثارة استياء الكثيرين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق